عبد القاهر الجرجاني

14

دلائل الإعجاز في علم المعاني

حسنة إلّا وهو مفتاحها ؛ ولا محمدة إلّا ومنه يتّقد مصباحها ، هو " 1 " الوفيّ إذا خان كلّ صاحب ، والثقة إذا لم يوثق بناصح ، لو لاه لما بان الإنسان من سائر الحيوان إلّا بتخطيط صورته ، وهيئة جسمه وبنيته ، لا ، ولا وجد إلى اكتساب الفضل طريقا ، ولا وجد بشيء من المحاسن خليقا . ذاك لأنّا وإن كنّا لا نصل إلى اكتساب فضيلة إلّا بالفعل ، وكان لا يكون فعل إلّا بالقدرة ، فإنّا لم نر فعلا زان فاعله وأوجب الفضل له ، حتى يكون عن العلم صدره " 2 " ، وحتى يتبيّن ميسمه " 3 " عليه وأثره . ولم نر قدرة قطّ كسبت صاحبها مجدا وأفادته حمدا ، دون أن يكون العلم رائدها فيما تطلب ، وقائدها حيث يؤمّ ويذهب ، ويكون المصرّف لعنانها " 4 " ؛ والمقلّب لها في ميدانها . فهي إذن مفتقرة في أن تكون فضيلة إليه ، وعيال في استحقاق هذا الاسم عليه ، وإذا هي خلت من العلم أو أبت أن تمتثل أمره ؛ وتقتفي أثره ورسمه ، آلت ولا شيء أحشد للذمّ على صاحبها منها ، ولا " شين أشين " 5 " " من أعماله لها . فهذا في فضل العلم لا تجد عاقلا يخالفك فيه ، ولا ترى أحدا يدفعه أو ينفيه . فأما المفاضلة بين بعضه وبعض ، وتقديم فنّ منه على فنّ ، فإنك ترى الناس فيه على آراء مختلفة ، وأهواء متعادية ، ترى كلّا منهم لحبّه نفسه ، وإيثاره أن يدفع النقص عنها ، يقدّم ما يحسن من أنواع العلم على ما لا يحسن ، ويحاول الزّراية " 6 " على الذي لم يحظ به ، والطّعن على أهله والغضّ منهم ، ثم تتفاوت أحوالهم في ذلك ، فمن مغمور قد استهلكه هواه ، وبعد في الجور مداه ، ومن مترجّح فيه بين الإنصاف والظلم ، يجور تارة ويعدل أخرى في الحكم ، فأمّا من يخلص في هذا المعنى من الحيف حتى لا يقضي إلّا بالعدل ، وحتى يصدر في كل أمره عن العقل ، فكالشيء الممتنع وجوده . ولم يكن ذلك كذلك ، إلا لشرف العلم وجليل محلّه ، وأنّ محبته مركوزة في الطباع ، ومركّبة في النفوس ، وأن الغيرة عليه لازمة للجبلّة ، وموضوعة في

--> ( 1 ) أي : العلم . ( 2 ) وهو نقيض الورد . وهو الطريق إلى الماء للارتواء . اه اللسان مادة / صدر / ( 4 / 448 ) . ( 3 ) هو اسم الآلة التي يوسم بها الدواب والجمع مواسم ومياسم . اه اللسان مادة / وسم / ( 12 / 636 ) . ( 4 ) بكسر العين وهو السير الذي تمسك به الداية والجمع أعنّة . اه اللسان مادة / عنن / ( 13 / 291 ) . ( 5 ) هو العيب . اه اللسان مادة / شين / ( 13 / 244 ) . ( 6 ) زريت عليه وزرى عليه بالفتح زريا وزراية : عابه وعاتبه . اه الصحاح مادة / زري / ( 14 / 356 ) .